علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي

163

شرح جمل الزجاجي

والذي يدل على أنّ العامل في النعت إنما هو التبع للمنعوت لا العامل في المنعوت ، أنّا قد وجدنا في النعوت ما لا يصحّ دخول العامل عليه ، نحو : " مررت بهم الجمّاء الغفير " ، ولا يجوز في " الغفير " إلّا أن يكون نعتا للجمّاء . وكذلك أيضا وجدناهم يقولون : " ما زيد بأخيك العاقل " ، بالنصب على موضع الخبر ، ولا يتصور أن يكون العامل هو العامل في المنعوت ، وهو الباء ، لأن الباء إذا عملت في شيء جرته ، فدلّ ذلك على أنّ العامل فيه إنّما هو التبع له في اللفظ أو على المعنى . * * * فإن قيل : فلأيّ شيء لم ينعت المضمر ولم ينعت به ؟ فالجواب : إنّه إنّما امتنع أن ينعت لأنّ المضمر ينقسم ثلاثة أقسام كما تقدّم . ضمير متكلم وضمير مخاطب وضمير غائب . فأما ضمير الغائب فلا ينعت لأنه نائب مناب تكرير الاسم ، فكما أنّ الاسم إذا كرّر فلا ينعت ، فكذلك المضمر النائب منابه ، ألا ترى أنّك إذا قلت : " رأيت رجلا فضربت الرجل " ، لا يجوز أن تقول : " فضربت الرجل العاقل " ، لئلا يوهم من حيث وصفته بما لم تصف به الأول أنه غيره . وإذا قلت : " رأيت رجلا عاقلا فضربت الرجل العاقل " ، لم تزد في التكرار على ما ذكرت أولا ، وضمير الغيبة نائب مناب الاسم المكرر فينبغي أن لا يزاد كما لا يزاد على الاسم المكرر ، فإنّه كذلك لا يجوز أن تقول : ضربته العاقل . فإن قيل : وأنت قد تقول : " لقيت رجلا فضربت الرجل المذكور " ، فتصفه بالمذكور . فالجواب : إنكّ قصدت بنعته بالمذكور أن تذكر أنّك تعني الرجل المتقدّم الذكر لا غيره ، وإذا قلت : " زيد ضربته " ، فقد علم أنّه لا يمكن أن يراد بالضمير إلّا المتقدم الذكر فلذلك لم تحتج إلى نعته بالمذكور . وأمّا ضمير المتكلم والمخاطب فلم ينعتا لأنّهما لم يدخلهما لبس . فإن قيل : فهلّا نعتا على جهة المدح أو الذم أو الترحم ، إذ كونهما لا يدخلهما لبس إنّما يوجب أن لا ينعتا بنعت يكون القصد به رفع الاشتراك . فالجواب : إنّ نعت المدح أو الذم أو الترحم بابه أن يكون مقطوعا ، لأنّ الموضع